أحمد بن محمد المقري التلمساني
193
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
[ عود إلى ذكر اعتماد الرميكية حظية المعتمد ] رجع إلى بني عباد رحمهم اللّه تعالى : قال ابن بسام « 1 » : أخبرني الحكيم النديم المطرب أبو بكر بن الإشبيلي ، قال : حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد بن عباد وعنده الوزير أبو بكر بن عمار « 2 » ، فلما دارت الكأس ، وتمكن الأنس ، وغنيت أصواتا ذهب الطرب بابن عمار كل مذهب ، فارتجل يخاطب الرشيد : [ البسيط ] ما ضرّ أن قيل إسحاق وموصله * ها أنت أنت وذي حمص وإسحاق أنت الرشيد فدع من قد سمعت به * وإن تشابه أخلاق وأعراق للّه درّك داركها مشعشعة * واحضر بساقيك ما قامت بنا ساق وكان الرشيد هذا أحد أولاد المعتمد النجبا ، وله أخبار في الكرم يقضي الناظر فيها من أمرها عجبا ، وكذلك إخوته ، وقد ألمعنا في هذا الكتاب بجملة من محاسنهم ، وأمهم اعتماد الملقبة بالرّميكية هي التي ترجمناها في هذا الموضع ، واقتضت المناسبة ذكر أمر « 3 » بني عباد ، فلنعد إلى ما كنا بصدده من أخبارها رحمها اللّه تعالى ، فنقول : قال ابن سعيد في بعض مصنفاته : كان المعتمد كثيرا ما يأنس بها ، ويستظرف نوادرها ، ولم تكن لها معرفة بالغناء ، وإنما كانت مليحة الوجه ، حسنة الحديث ، حلوة النادر ، كثيرة الفكاهة ، لها في كل ذلك نوادر محكية ، وكانت في عصرها ولادة بنت محمد بن عبد الرحمن ، وهي أبدع منها ملحا ، وأحسن افتنانا ، وأجل منصبا ، وكان أبوها أمير قرطبة ، ويلقب بالمستكفي بالله ، وأخبار أبي الوليد بن زيدون معها وأشعاره فيها مشهورة ، انتهى ملخصا . ومن أخبار الرميكية القصة المشهورة في قولها « ولا يوم الطين » وذلك أنها رأت الناس يمشون في الطين ، فاشتهت المشي في الطين ، فأمر المعتمد ، فسحقت أشياء من الطيب ، وذرّت في ساحة القصر حتى عمته ، ثم نصبت الغرابيل ، وصبّ فيها ماء الورد على أخلاط الطيب ، وعجنت بالأيدي حتى عادت كالطين ، وخاضتها مع جواريها ، وغاضبها في بعض
--> ( 1 ) بدائع البداءة ج 2 ص 129 . ( 2 ) في ب « أبو بكر بن عمار » . ( 3 ) في ه « واقتضت المناسبة بعض ما ذكرناه من أمر بني عباد » .